سيد قطب

1214

في ظلال القرآن

القضية - إنها قضية عقيدية . . ويدل على جدية هذه القضية في هذا الدين . . إنها قضيته الرئيسية « 1 » . . وقبل أن نمضي في مواجهة النصوص تفصيلا ، نحب أن نعيش في ظلال السياق القرآني بجملته . . لنرى محتوياته على وجه الإجمال . ولنرى دلالته وإيحاءاته كذلك . . إنه يبدأ بعرض مجموعة التصورات والمزاعم الجاهلية حول ما كانوا يزاولونه في شأن الثمار والأنعام والأولاد - أي في شأن المال والاجتماع - في جاهليتهم . فنجد هذه التصورات والمزاعم تتمثل في : 1 - تقسيمهم ما رزقهم اللّه من رزق ، وأنشأ لهم من زروع وأنعام ، إلى قسمين : قسم يجعلونه للّه - زاعمين أن هذا مما شرعه اللّه - وقسم يجعلونه لشركائهم - وهي الآلهة المدعاة التي يشركونها في أنفسهم وأموالهم وأولادهم من دون اللّه : « وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً . فَقالُوا : هذا لِلَّهِ - بِزَعْمِهِمْ - وَهذا لِشُرَكائِنا » ! 2 - أنهم بعد ذلك ، يجورون على النصيب الذي قسموه للّه . فيأخذون جانبا منه ويضمونه إلى ما قسموه لشركائهم ، ولا يفعلون مثل ذلك فيما قسموه للشركاء ! : « فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ، وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ » ! 3 - أنهم يقتلون أولادهم بتزيين من الشركاء - وهم في هذه الحالة إنما هم الكهان والمشترعون فيهم - ممن يصنعون التقاليد التي يخضع لها الأفراد في المجتمع ، بحكم الضغط الاجتماعي من ناحية ، وحكم التأثر بالأساطير الدينية من ناحية - وكان هذا القتل يتناول البنات مخافة الفقر والعار . كما قد يتناول الذكور في النذور ، كالذي نذره عبد المطلب أن لو رزقه اللّه عشرة أبناء يحمونه ليذبحن أحدهم للآلهة ! « وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ ، لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ » ! 4 - أنهم كانوا يحجزون بعض الأنعام وبعض الزروع ؛ فيزعمون أنها لا تطعم إلا بإذن خاص من اللّه - هكذا يزعمون ! - كما كانوا يمنعون ظهور بعض الأنعام من الركوب . ويمنعون أن يذكر اسم اللّه على بعضها عند الذبح أو الركوب أو لا يركبونها في الحج لأن فيه ذكر اللّه . مع الزعم بأن هذا كله قد أمر اللّه به : « وَقالُوا : هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ - بِزَعْمِهِمْ - وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها ، وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا - افْتِراءً عَلَيْهِ - ! » . 5 - وأنهم كانوا يسمون ما في بطون بعض الأنعام من الحمل لذكورهم ، ويجعلونه محرما على إناثهم . إلا أن ينزل الحمل ميتا فعندئذ يشترك فيه الذكور والإناث ! مع نسبة هذه الشريعة المضحكة إلى اللّه : « وَقالُوا : ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ، وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ . سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ » . . هذه هي مجموعة التصورات والمزاعم والتقاليد التي كانت تصبغ وجه المجتمع العربي في الجاهلية ، والتي يتصدى هذا السياق القرآني الطويل - في سورة مكية - للقضاء عليها ، وتطهير النفوس والقلوب منها ، وإبطالها كذلك في الواقع الاجتماعي . ولقد سلك السياق القرآني هذا المنهج في خطواته البطيئة الطويلة الدقيقة : * لقد قرر ابتداء خسران الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم اللّه - افتراء على اللّه -

--> ( 1 ) يراجع بتوسع فصل : « عبودية وألوهية » في القسم الثاني من كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » « دار الشروق » .